مقولة الشاعر الهرمونطيقيا وبشرية القرآندراسة نقدية| موقع شعراء للشعر والقصائد .. Shuaraa

Google+
العودة الى كل المقولات



بسمه تعالى
الحمد لله رب العالمين وصلى الله على رسوله الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين .
تبرز في الآونة الأخير وفي بعض المنتديات الثقافية محاور نقاشية تتناول موضوع النص الديني أو الخطاب الإسلامي والكيفية التي يمكن أن تساهم في إعادة بناء منظومة الخطاب الإسلامي بشكل يتناغم مع استحقاقات المعاصرة بل تعدت بعض الحوارات إلى موضوع قابلية النص الديني على استيعاب المتغير الزماني والمكاني ، ولا شك أن حركة العقل في المحيط المعرفي يرشح عنها نتاج علمي وفكري جديد وربما غير مألوف وحتى على الوسط العلمي والفكري نفسه… وبما أن العقل تكمن حركته الفاعلة في استكشاف البعيد والذي لا يمكن ملاحظته عبر نافذة الظاهر الواسع والواضح فكان لزاما أن يعيش النتاج العقلي بعيد الرؤى إشكالية المحيط ، فحينما ألقى البرت أنشتاين محاضراته عن النسبية الكونية كان معظم الحاضرين يجهلون المنطق الذي يتحدث به أنشتاين إلا أنه فيما بعد أصبحت النسبية كأحد أدوات الفهم الفيزيائي للكون ولا شك أن أزمة أدراك المحيط شكلت عبر التأريخ ظاهرة ذات خط عريض أخذت على نفسها أن تعرقل المشروع العقلي ، ولا يمكن لأحد ان ينكر فاعلية ذلك النشاط فمن خلاله تبسمت الدنيا وتذللت الصعاب وأصبحنا نفكر بغزوا المريخ بعدما وطئت اقدامنا القمر وكل ذلك بفعل النشاط بعيد المدى للعقل الإنساني الجبار ، ولكن كيف يمكن لنا أن نميز بين النتاج العقلي بعيد الرؤى والذي يستند على الموضوعية والمنطق وبين غيره إذا كان الموضوع يشكل تحد واضح لعقلية المتلقي والذي لا يمكن له ان يشكل بما عنده مقياس لمعرفة المنطقي من غيره بل كيف يمكن ان نخضع النظريات الفكرية لمقايس القبول ولاسيما هي بعيدة عن مضمار التجربة والذي يمكن أن يكون الحد الفاصل لقبول هذه النظرية أو تلك ،فالأفكار والرؤى العقلية نتاج حركة العقل في المحيط وهذه الحركة مقيدة بعوامل عديدة فهي ليست مطلقة إذ لا توجد حركة عقلية مطلقة فالنسبية أيضا تحكمنا هنا وعلى هذا المستوى من التناسب بين الحركة والنتاج يتحرك القبول الذي يخضع هو الأخر لسلسلة من الإجراءات والعوامل الداخلية " الذاتية " والخارجية "المحيط" .
أن التجديد وإعادة قراءة النص الديني بشكل حضاري وما شابه ذلك من تلك المفردات التي تصدر من هنا وهناك ما هي إلا محاولة لتحريك الثابت العقائدي ومن دون أن تكون هناك رؤية موضوعية تميز بين الثابت والمتغير في حدود فهم النص الديني فالنص حينما يصدر من المشرع (الله تبارك وتعالى + المعصوم عليه السلام ) ونطمأن لذلك الصدور فأن النص يدخل في مساحة الثابت ولكن حركتنا اتجاه النص واستنطاقه أمر يعد قفي مساحة المتحرك ، ومن هناك كان لا بد من التمييز بين فكرة إعادة قراءة النص الديني وبين ادخال النص الديني في قفص الاتهام .
إنني أحال في هذه الورقات المتواضعة أن أقرأ الهرمونطيقا وأقترب كذلك إلى موضوع بشرية القرآن الذي لا يبتعد كثيرا عن منظومتها الفكرية ،بشكل أحاول فيه أن أصل إلى واقع المتبنين لها كخط فكري يمكن من خلاله أن نقرأ النص الديني وقسمت الموضوع إلى نقطتين في الأولى بحثت الفكرة من خلال عمقها التأريخي وهل هي نتاج العقل العربي أو لا.
وفي الثانية أخذت الدكتور نصر حامد ابو زيد والدكتور عبد الكريم سروش نموذجا للقائلين بذلك من المفكرين المسلمين وما هي ادلتهم وحاولت أن أضع قراءة نقدية متواضعة لذلك .
أولا : العمق التأريخي للهرمنيوطيقيا وبشرية القرآن.
يرجع أصل هذه المفردة إلى الكلمة اليونانية Hermeneuin وتعني المفسر أو الموضح ، وكان يقصد بها حينما أطلقت أول مرة تفسير النص الديني خارج نطاق الدلالات الظاهرية والغور إلى في ما وراء تلك الدلالات والوصل إلى الدلالات الأخرى الكامنة وراء اللفظ عبر جسور الرمزية والخيالية ، ثم سرعان ما أدى ذلك التوجه الفكري إلى ظهور خط فكري طور من المنظومة الفكرية للهرمونطيقيا وذلك عبر أخضاع النص لديني إلى موضوع المسألة العقلية ومحاكمته عبر الواقع ، ويبدو من خلال قراءة مسيرة الهرمونطيقيا نلاحظ أن إشكالية أصل النص الديني هي التي صنعت ذلك الاتجاه ، أي أن النص الديني في المنطق الهرمنيوطيقي يقف بين هويتين الأولى هويته الإلهية بكل ما فيها من دلالات والثانية بشريته وان عبرت عن السماء ، أن أول خروج فكري لتلك المفردة هو حينما أصدر المؤلف البروتستانتي " دان هاور " كتابة الشهير" الهرمنيوطيقا " عام 461 م وكانت محاولة أولى لوضع قواعد تفسر الكتاب المقدس وفيه أعلن عن ثورة على رجال الكنيسة الذين كانوا يحتكرون ذلك لتخصص ، ولاشك ان موضوع أصل الكتاب المقدس تثير جدلا واسعا في الأوساط المعرفية فقد كتبت الأناجيل الأربعة " متى ، يوحنا ، لوقا ، مرقس " سنة 70 م ويظهر كل منهم بعض العقائد المتناقضة عن الأخر لذا كان من الضروري إخضاعها إلى منطق الإستفهام وهو ما رشح عنه الهرمينوطيقيا المعاصرة ، ويذهب البعض إلى أن الفكرة أخذت من اليونانيين الذين ذهبوا بأن الكلمات الإلهية فوق مستوى إدراك البشر فلابد من الواسطة التي تذوب تلك الصعوبة بين الملقي المتلقي وهو ما أطلقوا عليه "هرمس" فهو لا يعد كلام الله تعالى المباشر وإنما ترجمة تناغم الفهم البشري فبالتالي يفقد النص الديني ما بعد مرحلة "هرمس" خصوصيته الخطاب الإلهي ويدخل في بشريته كون "هرمس" أي الواسطة يطرح الخطاب على ضوء قدرة المتلقي على الاستيعاب وبهذا يخرج من دائرة النص إلى دائرة تذويبه في بوتقة الفهم البشري والتي تتناغم مع الذوق وقدرة المتلقي وبهذا فأن مرحلة تذويب النص داخل دائرة الفهم البشري تفقد النص خصوصيته بما هو نص إلهي وتدخله إلى منطقة التفسير والتفسير ليس نصا إلهيا أنما هو نص بشري تحرك وتفاعل في دائرة النص الإلهي .
أما ما يخص بشرية القرآن فأن الأمر لا يقل عن الهرمونطيقيا فقد نادى معظم المستشرقين في حملاتهم التبشيرية وخاصة منهم غير المنصفين وغير الموضوعيين إلى ان القرآن بشري وهو من صياغة محمد وفي حدود ظني أن هناك عوامل عديد جعلت المستشرقين يذهبون بذلك الاتجاه هذا إذا أبعدنا عامل الصراع الحضاري وعدم المهنية في التقييم ، فقد لعب عامل ترجمة النص وعدم فهم المستشرق إلى أعماق اللغة دور في وضع فهما خاطئ للنص القرآني وذلك لأنه تعامل أصلا مع نص بشري فالترجمة ليست قرآنا وإنما فعل بشري ولغة بشرية تقرب المفهوم الإلهي فإطلاق البشرية على ذلك النص لا يخلو من الصحة ولكن ذلك لا ينطبق على النص القرآني المنزل بحروفه العربية والذي يحدد أدوات فهمه بنفسه وذلك عبر منظومة النص ولا يتعدى لغيرها ومن المستشرقين الذين تبنوا أداة الترجمة وجعلها منطلقا لفكرة بشرية القرآن نولدكه و غولد سهير و منتغيري وات ومرجليوث وميور وغوستاف لوبون بل حتى ان المصري الدكتور طه حسين ألمح في بعض كتبه إلى بشرية بعض النصوص القرآنية وهناك من يقول أن القرآن يحتوي على بعض الأخطاء اللغوية والتناقض العقائدي حسب فهمهم في قراءة النص ويجعل ذلك منطلقا للقول ببشرية القرآن.
ثانيا : الهرمنيوطيقا وبشرية القرآن : النموذج والردود"
لا يزعم أي احد أن الهرمنيوطيقا نتاج الفكر الإسلامي المعاصر وأن بل هي انعكاس للانفتاح الثقافي على الأخر غير الإسلامي ومحاولة توفيقية بين تجارب الأمم ذات المسحة الفكرية وبين السعي الحثيث لإيجاد بدائل تفسيرية لظاهرة قدرة النص الديني على الامتداد من عدمه في المحيط الزماني والمكاني والتأثير عليه، لقد أخذت الدكتور ابو زيد وسروش كمثال للمفكر الإسلامي المتأثر والمتبني لنظرية الإصلاح الفكري الدين وأن أختلافا بعض الشيء في متبنياتهما إلا المرتكز أو المناخ الذي يجمعهما يبدو واحد وهو مناخ الهرمنيوطيقا وان اختلفت الألفاظ .
يرى أبو زيد أن القرآن الكريم هو أرث قديم كان يتناغم مع وعي محدود وإدراك مقيد بعوامل المحيط حيث البيئة الصحراوية ولا سبيل لأن يعيش وعي الإنسان المعاصر الذي يتحرك بكل اتجاه فالنص الديني جامد ولا يمكن أن يتحرك ليخلق لنا محيطا مناخه المعاصرة بكل ما تحمل من مزايا حضارية وبما أنه يعجز عن ذلك فلا مجال لقدسية ذلك النص الذي أنزل لأناس يمكن أن يبعث فيهم الحركة ويخرجهم من متاهاتهم الضيقة ، فعلينا أن نهجره كما فعلت أوربا في النص الديني القديم وانطلقت لتبني الحياة ويدعوا عبر تلك التبريرات إلى التحرر من سلطة النص كما ويرى أن القرآن نتاج ثقافة امة معينة بزمانها ومكانها .
أما سروش فيذهب إلى أكثر من ذلك فيذهب إلى بشرية القرآن وأنه من وحي محمد ص ليس إلا ، فالسلطة الإلهية لم تنزل تلك الكلمات كما هي حرفيا بل تركت للرسول ص أن يختار ويضرب مثلا بالشاعر الذي يكون وحيه داخلي ويقول لا فرق بين الوحي الداخلي والخارجي إذا كان هناك سمو في الذات بحيث تكون وحدة بين الذات الإلهية والبشرية ويعلل أن اختلاف الأسلوب القرآني بين الصعود والهبوط انعكاس لروحية محمد ص فحينما تكون روحيته عالية المستوى يطرح نصا عالي المستوى وبالعكس .
ويبدو ان النغمتين يمثلان صدى معاد لما كان يقوله المستشرقون فما قاله ابو زيد او سروش ليس جديدا على الوعي الفكري الإسلامي فليس هناك متبنيات أصيلة فالمستشرقون قالوا بعجز القرآن عن مواكبة العصر وانه بعث لأمم كانت في منتهى الجهل لهذا حدثهم بلغة لا يمكن للإنسان المعاصر أن يستذوقها ويرى فيه المعجز ، وذهب مستشرقون آخرون إلى أن القرآن هو من صناعة محمد ص لأنه يمتاز بسمو روحي نادر وكان يختلي بنفسه فتحرك لديه العقل اللاواعي وبدأ يوحي إليه تلك الكلمات وأن كان يرى أنها من الله تعالى بصفته يريد أن يصلح والله كذلك يريد أن يصلح شؤون الناس فأصبح هناك وحدة في المواقف .
ويذهب سروش إلى أن الله تعالى يتكلم ولكن كلامه ليس سوى كلام النبي فإذا أراد أن يتكلم فيبعث النبي فيكون كلامه كلام النبي وتدور كل أرائه حول هذه المستوى من الإستدلال ، وهو بحد ذاته إستدلال يفتقد للدليل ولا يعدو ان تكون رؤية ذات نكهة خيالية أو استقراء ناقص لجوانب المعجز وذلك لان الدكتور سروش حينما يتناول هذا الموضوع يدخل في تناقض فلسفي واضح وهو انه يثني على شخصية الرسول ص ويصفها بأنها تمتلك ذاتية لا يمكن الوصول إليها وهذه الذاتية هي التي سمحت باتحاد الذات مع الله تعالى على مستوى أبداع النص إذا فالنبي وفق رؤية سروش يحمل صفاء روحي وذات مقدسة والتناقض يكمن في بعض النقاط التي لم يتطرق لها الدكتور في طرح نظيرته حول بشرية القرآن وهي .
1- ان النبي بذلك الصفاء الروحي ادعى ان تلك الكلمات هي كلمات الله تعالى وليس منه ولا يمكن تبديل حرف مكان حرف إلا منه تعالى كما قد صرحت معظم الأحاديث ذات الصلة فكيف يحمل ذلك الصفاء الروحي وفي نفس الوقت يكذب على الناس في دعواه ومن يكذب بهذا المستوى لا يحمل أدنى صفاء روحي فضلا عن دعواه بالإتصال بالسماء على مستوى النبوة "وحاشاه من ذلك " وكان بالإمكان يقول غير ذلك أما إذا أدعى أنه لم يكن يعلم أنه يكذب فهذا أسوء من الأول لأن الرسالة التي جاء بها تحمل من التكامل ما لا يمكن تصور أ ن شخص لا يعرف مصدر إلهامه ويأتي بتلك النصوص المتكاملة .
2- أن لكل نبي معجز يبرهن على صدق دعوته ولا شك ان القرآن بهذه الكيفية التي يراها سروش وغيره تفقد من خصوصيىة القرآن كمعجز وتنقله إلى خانة الحديث وذلك لأننا ندخل في مأزق علاقة اللفظ بالمعنى فمن يؤكد أن المعنى الذي طرحه الله تعالى لبس ثوب اللفظ الذي صاغه محمد ص كاملا ولم يبقى منه شيء في الخارج ، من يؤكد ذلك ؟. أي بمعنى ان الله تعالى حينما قال لرسول الله تكلم عن قوم نوح وانهم اغرقوا بسبب العصيان وعدم أمتثالهم لنوح الذي بعثته لهم تسع مائة وخمسون عام وهنا يجلس الرسول " وحاشاه من ذلك "لينظم مفردات تليق بالحدث وفق أدواته اللغوية والبلاغية وأين يكمن الإعجاز وإذا أنتفى الإعجاز فما هي معجزة الرسول ص .
3 - إذا كانت هذه الصياغة محمدية والمعنى إلهي فلماذا لا نقول كل أحاديث الرسول قرآن أي بمعنى أن المعنى الإلهي هو الذي يحدد صلاحية المادة المطروحة لأن الشخص الذي هو الرسول واحد في لحظة نطقه بالقرآن أو غيره إلا إذا قال سروش بوجود حالة غيبية يمر بها الرسول تفصل بين المنطقين وهنا ندخل إلى تلك الحالة ما هي ؟ وعلينا ان نفسرها فالربما فسرها سروش بوحدة الذات الإلهية وذات الرسول ص وفسرها آخرون بالوحي وهنا ندخل إلى موضوع يتعلق بأدوات وصول النص إلى الرسول ص والكيفية وهو موضوع أخر.
4- من خلال كلمات الدكتور سروش وابو زيد فأن هناك تلميح لصياغة خطاب ديني جديد ونبذ الموروث الذي يقيد حركة الفكر وشفافية التعاطي مع كل جديد وهنا لابد أن نسأل على أي أساس يمكن صياغة الخطاب الديني بما هو خطاب ديني فبما أننا ألزمنا أنفسنا بدينية الخطاب فلابد أن نضع الأسس المنطقية لصياغة ذلك الخطاب فمن أين نأتي بتلك الأسس إذا كان القرآن بشري الصياغة ويحمل بعض المتناقضات وهو أرث لا بد أن نتحرر من سطوته والحديث الشريف هو الأخر انعكاس لحركة القرآن في عقلية الرسول أو الصحابة أو التابعين ولا بد أن نتحرر منه أيضا، فهل سنلجأ في النهاية إلى الموروث القومي أو الكنائسي او اليهودي لنعبأ به مفرداتنا الدينية وبعد ذلك نسميه ثورة تصحيح في المفهوم الديني أو ماشابه ذلك من تلك المفردات التي يضج كل من يحاول ان يظهر شخصيته الثقافية في الوسط الثقافي وذلك من منطلق "خالف تعرف" .
5 - لم يفرق الدكتور سروش وأبو زيد بين ظاهرة الانغلاق على المفهوم وعدم تحريكه ليستوعب الواقع وبين هوية المفهوم نفسه وما يحمل من مرونة في الحركة تستوعب الواقع بمتغيراته وهذا الانغلاق في الرؤية هو الذي جعل البعض يصرح بإنغلاقية النص وعدم جدوى المفهوم الديني وهو قصور في الرؤية الفكرية فمثله مثل رجل يستطيع أن يحل المشاكل المعروضة أمامه ولكن المحيط أغلق فمه فيأتي أحدهم فيقول هو لا يفهم ولا يستطيع أن يتحدث ودون التعرض لمشكلته مع المحيط ، ولعل تجربة سروش على المستوى السياسي بصفته مستشارا لشؤون التربية في الحكومة الإيرانية سابقا جعله يطل على المفهوم الديني من أروقة العمل السياسي ولا سيما ان إيران كحكومة تنطلق من المفهوم الديني لقيادة الدولة ، ولعل اختلاف وجهات النظر السياسية داخل دائرة المنظومة الحكومية الإيرانية والتبريرات العقائدية لتلك الحركة السياسية هذه أو تلك جعل سورش يعيد النظر في كل شيء ، وهذا يمثل شرخ واضح في أدوات فهم النص وحركته ولاسيما في المنظور الجعفري الذي يرى أن النص قاصر عن إظهار نفسه ولابد من الثقل الأخر " المعصوم " الذي أنيطت به مهمة أظهار المكنون الحقيقي للنص فما عداه تكون قراءة النص رؤية بشرية ولاشك أن سروش لا يؤمن بهذا المنطق فتحول إلى بشرية النص وكان عليه ان ينادي ببشرية القراءة وإعادة النظر في قراءة النص وتجديد أدوات تحريك النص ليكون أكثر استيعابا للمتغيرات التي تجتاح العالم المعاصر لا أن يتبنى بشرية النص ذات النزعة الإستشراقية .
6- على مستوى القرآن الكريم كيف يقرأ سروش أو أبو زيد بعض النصوص التي أوضحت الموجة الإعتراضية للكفار على النبي وعلى بشرية ما جاء به وكيف بينت النصوص قنوات وصول لفظ القرآن الكريم إلى الرسول ص منها مثلا قوله تعالى " وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى *عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى " او قوله تعالى " إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ * لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ " فهنا يبين القرآن أن النطق والقول كلاهما من الله تعالى وليس للرسول فيهما أي شيء بل يبين النص الثاني التبعية القولية فينسبها إلى الرسول الكريم وهو الملاك الموكل بنقل اللفظ ويمكن أن نحلل النص القرآني بالتالي .
أ - أن القرآن ليس فيه أي اختلاط ذاتي أو ميول نفسي كما ذهب البعض بدليل "وما ينطق عن الهوى * إن هو الا وحي يوحى "
ب - أن الرسول كان بمثابة المتلقي كما يتلقى التلميذ من أستاذه فينقل ما وصل إليه حرفيا دون زيادة او نقصان كما يصرح النص القرآني بذلك حيث نفى أن يكون الرسول شاعر وهو تلميح لإبعاد موضوع التفكير والإيجاد الذاتي فالنص الشعري يبنى على ركيزتين الصورة والنظم وهما يتفاعلان في روحية الشاعر فتتحرك الصورة أولا في ذاته وهنا يتحرك الشاعر عبر قنوات الخيال والوجدان لإيجاد اللفظ المناسب الذي يخرج الصورة بما يستوفي مراد الشاعر وهنا ينفي الله تعالى أن تكون روحية محمد ص هي روحية شاعر وليس عند أدنى تدخل في الصياغة بل مأمور بنقل النص كما يرد منه تعالى وبتحذير شديد يبين أهمية ودقة النقل ، قال تعالى ". وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأَقاوِيلِ * لأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ "
ج - كيف يقرآ سروش مفردة تنزيل من رب العالمين بعد أن استعرض ما يقوله الكفار حول بشرية النص فمفردة التنزيل تقتضي أن يكون هناك منُزل وهو الله تعالى ومنزل له وهو الملاك أو الرسول الكريم جبريل ومنزل عليه وهو الرسول ص ومنزل إليه وهي الأمة والتي هي مستمرة البقاء والوجود حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.
وفي الختام :
أن الدعوة لإعادة الخطاب الإسلامي وفق آليات جديدة ينبغي أن تمر عبر معادلة الثابت والمتغير في الفكر الإسلامي فالذي لا يستطيع أن يحدد المعايير الموضوعية لفهم حركة النص وفق تلك المعادلة لا يمكن له أن يأتي بأي جديد لأن محاولاته ستكون عبارة عن أفكار مستنسخة من تخرصات المستشرقين والذين اعتمدوا في معظم محاولاتهم في قراءة النص الديني على أرث هزيل تمثل بموسوعة من الأحاديث الملفقة والتي تضج بها كتبنا الإسلامية وللأسف الشديد، ولاشك أن المسيحيين حينما يحاولون أعادة قراءة الأناجيل الأربعة المتناقضة فيما بينها فأنهم ينطلقون في ذلك من ثوابت معرفية كون الأناجيل كتبت بعد عصر السيد المسيح ع بسبعين عام وهذا يعني أن الكثير قد ذهب من صدور الحواريين او المقربين ولعل هذه النقطة هي التي جعلت البروتستانتي " دان هاور " يصدر كتابة الشهير" الهرمنيوطيقا " في عام 461 م وذلك لإعادة تأهيل المفردة الدينية المسيحية بشكل ينسجم مع الواقع فالنص الأنجيلي الموجود اليوم نصا كتب بالواسطة وقد فقد كثيرا من خصوصياته المقدسة، فعلى أي ثابت سنتحرك لنحدث التغير ، إننا نعاني اليوم من إشكالية فكرية خطيرة جدا وقد لا تكون جديدة على الفكر الإنساني إنها ظاهرة الأنا على حساب المضمون أو توسيع رقعة الذات وتسليط الأضواء وذلك عبر محاولة تحريك الثابت .وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين



الهرمونطيقيا وبشرية القرآن…دراسة نقدية
23,يونيو,2016







التقييم = 100 %


التعليقات

يُسمح لجميع الأعضاء التعليق هنا.. وإذا كنت غير مسجل لدينا فضلاً إنقر هنا للوصول الى صفحة التسجيل

العضو : مصطفي الشاعر بيك

التعليق : اولا مشكوره علي هذا التحليل الموضوعي .الرائع ..وأعتذر مقدما أن قلت أنكي أستفتضي بما لا يجدي نفعا مع هؤلااء الذين يظنون أنهم أستطاعو تحليل القراءن وأياته وتحليل شخص النبي صلوات ربي وسلامه عليه ..لماذا لا يقول لهم قائل أنكم أستطعتم تحليل شخص النبي بتحليلكم العبقري ..فلماذا لا تأتون بقراءن مثل الذي أتي به فأنتم تزعمون انه اتي به من عنديته أو ألفه في حاله صفاء ذهني الم تمكنهم حاله الصفاء الذهني حين حللو شخصيته من كتابه ولو شيئ يسير مثل الذي أتي به رسول الله ..؟ سأحاول في خطوط عريضه وأختصار جم ان أعبر عن رأي الشخصي ... يقول رب العالمين (وأرسلناك للناس كافه ) أي كل ما سيأتي بعدك يا محمد قصر الزمان أو طال ..ويقولون تجديد الخطاب الديني لانه لا أو لم يعد يلائم الواقع المعاصر ..والسؤال هل تجديد الخطاب الديني للداخل أم للخارج ؟ هل يجدد من أجل المسلمين أنفسهم أم من أجل أن يرضي عنهم الغرب والمستشرقين ... أن للداخل .فهناك سؤال هل طبقنا الدين أولا كما يجب حتي ضقنا به ذرعا وصرنا نطالب بتغير الدين والعقيده عبر خطاب منمق أسمه تطوير الخطاب الديني ..هل لا يتماشي الدين مع الواقع ..لا أريد أن أستفيض .ولكن علي سبيل المثال الا يعيش معنا في هذا العالم الان الذي نحيا فيه ولو بعض الشيوخ الربانين الذين نتوسم فيهم الخير ونظنهم يقيمون كتاب الله وسنه رسوله ؟كيف أستطاعو أن يعيشو ويطبقو الدين علي أرض الواقع ويعيشون منسجمين لا يضرهم شيئا .؟ هل أتو من زمن أخر ..أم أنهم ولدو في هذا الزمان المعاصر .وفقط نشئو نشئه سليمه في بيئه طيبه وأهل محافظون أو حفظهم الله لصدق نيتهم مع الله ...يا ساده أن كتاب الله معجز ليس به خلل ولا سنه نبيه بها عيب أنما العيب فينا .شغلتنا الفتن وأنشغلنا بحب الدنيا ومتاعها ..وليس معني ذلك أن نتخلي عن كل شيئ .بل علينا أن نكون علي غرار الايه (كلو وأشربو ولا تسرفو ) (قل من حرم زينه الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) (وأجتنبو كبائر الاثم والفواحش )لايحضرني معظم الايات وأرجو الا أكون أخطأت فلا أكتب من كتاب .. النقطه الاخري أذا اردنا ان نجدد الخطاب الديني للغرب فعلينا الا نعتمد علي الحديث فقط لانهم ببساطه يسمعون منا شيئا ويرون شيئا أخر وهذه هي المعضله الكبري ..يجب أولا أن نتخلق بخلق الاسلام قبل أن ندعو أليه أو نطالب بتجديد الخطاب ..كما يجب علينا أن يكون لنا الي جانب الحديث بعض الاعمال الفنيه الاسلاميه الصحيحه التي تجسد معاني الاسلام الحقيقي وأخلا الاسلام أذكر أني شاهدت بعض مقاطع الفديو القيمه والرائعه والتي جلبت ملاين المشاهدات وأسلم علي أثرها الكثير وهي عباره عن عرض بعض أخلااق الاسلام وتعاملته مع الاخر وكيف تجذب القلوب وتشعل الفطره السليمه داخل القلوب فطره الله التي فطر الناس عليها ..ولكننا وللأسف يدعو بعضنا والبعض الاخر ينشئ الافلاام والمسلسلاات السافره التي لا تعرف للاسلام قيما ولا تقاليد ..فكيف يرانا الاخر ويصدقنا ..بل كيف ينشئ مجتمع مسلم متواد متراحم يحافظ علي الاعراض ويؤدي الامانه التي وكل بها ..أعرف أني لم أتطرق لمعظم حديثك ..ولكن هل تعرفين الشعور بالاحباط حين تتكلمين في شيئ والواقع شيئ أخر تماما ...نعم ذاك الشعور الذي يشعرك بأن الصمت أفضل من الكلمات لان كلماتك لن تكون مفهومه ..وتحيه لشخصكم الكريم وكل عام وأنتم بخير وكل المسلمين الصادقين الذين يريدون علو ورفعه هذا الدين الذي قصرنا فيه ..أسأل الله أن يجبر كسرنا ويلم شعسنا ويوفقنا لما فيه صلاحنا في الدنيا والاخره ..دومتم بكل ود وأحترام